القيم الحاكمة في سورية المستقبل

 لقد شهدت سورية معدلات فساد من أعلى المعدلات في العالم (ترتيبها 178 من أصل 180 دولة، الثالثة كأسوأ معدل فساد حول العالم وفق مؤشر مدركات الفساد لعام 2020)، وكما قيل فإن الفساد والإفلات من العقاب يعزز كل منهما الآخر. لذلك فمن الضروري برأيي أن نعمل على معالجة الفساد والجرائم الاقتصادية التي ارتكبت في سورية ومازالت ترتكب حتى يومنا هذا. 
في هذا المقال

*ميثاق: مداخلة الدكتورة   رغداء زيدان[*]


  سأركز في مداخلتي اليوم على أربع قيم أساسية أؤمن بأهمية ترسيخها في بلدنا، وأجد أنه لا يمكن الاستغناء عنها إطلاقاً؛ إذا أردنا بناء دولة قوية متماسكة، بعد هذه السنوات العجاف من الاستبداد والحرب المدمرة. طبعاً مع ملاحظة أن هناك قيم أخرى مهمة، لكن وجهة نظري أن هذه القيم التي سيأتي الحديث عنها هي قيم مؤسِسة، ومنطلق صحيح لبناء سورية المستقبل.

 أولى هذه القيم قيمة الكرامة الإنسانية

 إن الناس على اختلافهم وتنوعهم أبناء العائلة الإنسانية، لهم جميعاً الحقُّ في العيش بكرامة دون استثناء أو تمييز؛ وكرامتهم تلك لا تفاضل فيها بينهم، فليس هناك إنسان أكرم من إنسان في الدنيا، مهما اختلف عرقه، أو جنسه، أو لونه، أو دينه، أو مكانته الاجتماعية، أو وضعه الاقتصادي، أو السياسي، وفي الآخرة فإن أكرم الناس هم الأكثر بعداً عن الظلم والفساد والإفساد؛ كما في القرآن الكريم: ﴿إن أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: 13.

لذلك فإن أهم القيم الحافظة للوجود الإنساني هي احترام الكرامة الإنسانية، لذلك كانت كلمة الكرامة تسبق كلمة الحقوق في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لأن الكرامة هي أساس كافة حقوق الإنسان، ومن المعلوم أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ظهر بعد حربين عالميتين فظيعتين، فكان من المهم التأكيد على مفهوم كرامة الإنسان في الكلمات الأولى منه، وهو ما ألهم كثيراً من دساتير العالم، فجاء مصطلح الكرامة كحق أساسي معترف به في أكثر من 160 دستوراً من دساتير العالم، من بين 193 دولة عضو في الأمم المتحدة.

  • وبرأيي فإن قيمة الكرامة يجب أن تكون قيمة أساسية حاكمة في سورية المستقبل، لأن عدم احترام تلك القيمة كان سبباً في تغوّل الاستبداد الذي فتك بسورية ودمرها.

لا يكفي ذكر الكرامة في عبارة مفرغة من معانيها كما جاء في بعص الدساتير السورية، بل يجب أن ترد في دستور سورية المقبل مقترنة بمواد ومبادئ تتعلق بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية، ومنها ما يتعلق بظروف الاحتجاز وحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة، وكذلك في الضمان الاجتمـاعي والحق في أجر عادل ومستوى معيشي لائق، وفي ضمان حقوق المرأة والأقليات وأصحاب الإعاقة، وصولاً إلى جعلها ضابطاً لعمل أجهزة ومؤسسات الدولة، خاصة الجيش والأمن.

إن الوصول إلى “المجتمع اللائق” الذي يرنو إليه السوريون والسوريات، أساسه صون كرامة الإنسان، التي تتحقق بعدم التعامل معه، فرداً أو جماعة، بصفته شيئاً، أو عبداً، أو إنساناً من الدرجة الثانية عبر التمييز القائم على أساس ثقافي، أو عرقي، أو عقدي، أو معتمداً على القدرة الشرائية أو النفوذ الاجتماعي أو السياسي. كما أن الكرامة تتناول التوزيع العادل للرموز، لتجد كلّ فئة من فئات المجتمع ذاتها في الرموز المُحتفىَ بها في الدولة ولا تشعر بالإقصاء. فحينما تُنزع الكرامة من الإنسان ولا يؤخذ بعين الاعتبار  رأيه ولا يسمح له بإبدائه، وحين تمتلئ السجون والمعتقلات بالناس دون جناية ارتكبوها فقط للتخويف والترهيب والابتزاز، وحين يمنع المعتقلون من المحاكمة العادلة، وحين يموتون داخل السجن بسبب التعذيب، ولا يستطيع أهلهم السؤال عنهم أو معرفة مصيرهم، وحين لا تلبى حاجات الإنسان الأساسية، ولا تحترم خصوصياته ولا يعتنى بمعتقداته ورموزه، وحين تتسلط أجهزة الأمن والجيش على المواطنين ويُسرق منهم قوتهم وبلدهم وإنسانيتهم، وحين تحتل أرضهم ويمنعون من استعادتها على وقع شعارات فارغة … لا بد أن تحدث الثورة حتى لو كانت كلفتها غالية جداً، وهو ما حدث في سورية حقيقة…..، فمطلب الكرامة سابق على مطالب الحرية والعدالة، ومهما كان ثمن الكرامة فادحاً لكن ثمن الذل أفدح.

   القيمة الثانية هي قيمة الأمن

 إن الأمن كما أفهمه هو حالة يغيب فيها الخطر أو التهديد، وهو بالتعميم وضع يتم فيه حفظ حقوق المواطن وضمان معاملته بعدل ونزاهة أمام مؤسسات الدولة، هو لا يعني فقط غياب النزاع المسلح، بل هو بيئة يمكن للمواطنين والمواطنات فيها أن يصلوا للخدمات التعليمية والصحية وأن يتمتعوا بالديمقراطية وحقوق الإنسان وكرامة العيش والتنمية الاقتصادية.

ليس الأمن ما تركز عليه بعض الحكومات من حماية الحدود، أو امتلاك القوة العسكرية، أو القدرة على السيطرة على الناس وأفكارهم وأفعالهم وأموالهم فقط، بل هو منظومة عيش متكاملة تسمح للفرد بتلقي الخدمات المختلفة، والتعامل مع مؤسسات الدولة دون الحاجة للرشوة أو الوساطة والمحسوبية، أو الغرق في مستنقع الفساد، هو القدرة على التمتع بحقوق الإنسان وخاصة الحق في التعبير عن النفس وعن الرأي بحرية دون خوف من اعتقال أو قتل تحت التعذيب، والحق أيضاً في الرقابة على عمل أجهزة الدولة ومساءلة المسؤولين وأصحاب النفوذ والسلطة….

وبرأيي فإن أهم مبدأ قيمي وطني يمكن الحديث عنه وتثبيته هو قدرة المواطن والمواطنة السورية على التمتع بالأمن، الذي يمكّنه من الحصول على حقوقه الطبيعية، والوصول لخدمات مؤسسات دولته بعدل، والمشاركة في إدارة محلته بديمقراطية، وممارسة حقه الرقابي من منطلق مسؤوليته المجتمعية نحو بلده.

وفي مناسبة الحديث عن الأمن فإن الحديث عن محاربة العنف الممارس في سورية على الأطفال والنساء خاصة، عبر تشريع القوانين التي تحمي من العنف الممارس سواء في المنزل أو خارج المنزل، مع المطالبة بتأمين الفضاء العام المناسب لتمكين الرجال والنساء من المشاركة في الحياة العامة في المجتمع دون خوف من قتل أو اعتقال أو خطف أو اتهام يمس الشرف والعرض بصورة مخزية، والحماية من التحرش أو التنمر، فعلاً وقولاً، والتمكين الاقتصادي والتمكين من المشاركة في حياة سياسية حقيقة يتم فيها تداول السلطة والوصول لمناصب الدولة عبر انتخابات حرة نزيهة، يتم خلالها انتقال السلطة بشكل سلمي دون اللجوء لحرق البلد من أجل الحفاظ على الكراسي، لهو برأيي من أهم القيم التي ستؤسس لسورية قوية مستقبلاً.

القيمة الثالثة قيمة المواطنة واحترام التنوع

 المواطنة عقد قانوني ودستوري يستوي فيه كل السوريات والسوريين على اختلافهم وتنوعهم، ولا يجوز أن يُحرم منه أحد، وبالتالي لا يجوز أن يُحرم من الجنسية التي هي ركن المواطنة أي شخص لأي سبب كان، كما لا يجوز وضع قانون يميز بين الرجل والمرأة في حقهما بمنح الجنسية للأطفال. مع الانتباه إلى أن المواطنة حد أدنى مطلوب للتأسيس القانوني للعيش المشترك في سوريا، لكن ما يحمي هذا الرابط ويزيده متانة وينقله من حيز التنظيم الصلب إلى حيز الفعل الحضاري المطلوب هو الرابط القيمي والخلقي الذي يجب أن يكون من مسؤوليات الدولة حمايته ودعمه وليس تفكيكه أو تشظيته خدمة لمصالح السلطة الحاكمة، كما حصل فيه سورية عندما تم تحويل السوريين والسوريات إلى رعايا سلطة بدل أن يكونوا مواطني دولة تحفظ حقوقهم وكرامتهم.

لقد جعل الله تعالى التنوع اللغوي والثقافي لدى الناس دليلاً على قدرته، فقال: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ” الروم: 22. كما جعل الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا لا لينصهروا في بوتقة واحدة، والتعارف يعني التفاعل والتعامل الذي يؤدي إلى الاتفاق على المشتركات، فتعرف كل مجموعة وكل فرد ما يشترك به مع غيره من قيم وسمات ثقافية جامعة، دون أن يعني هذا تخلي أي منهم عن صفاته أو خصائصه وهويته، وكذلك يعرف ما يختلف به الآخرون عنه، وما يقدسونه وما له مكانة مهمة عندهم فيحترم هذا الاختلاف ويبتعد عن الاستفزاز أو الانتقاص أو الهجوم والاتهام، فيكون تعامل الناس قائماً على أساس الاحترام المتبادل وعدم التجاوز أو التعدي. وعلى الدولة واجب تهيئة الفضاء العام ليستطيع كل فرد فيه ممارسة ثقافته وشعائره ولغته بما يحفظ تماسك المجتمع ككل ولا يتعارض مع القيم الرسالية التي تجمع السوريين والسوريات، ولا تمس ما يؤمن به أكثريتهم فتكون التشريعات والقوانين منسجمة مع ثوابت دينهم ومعتقداتهم.

في سوريا اليوم تنوع ثقافي ثري، كلما أفسحنا له المجال للبروز فإننا بذلك نعطي لبلدنا غنى وقوة وأصالة وتماسكاً أكبر. لا يعني فسح المجال أمام التنوع الثقافي دعماً للانفصال أو الفرقة، بل هو دعم للثراء والقدرة على التواصل مع العالم بمكوناته الثقافية والفكرية والدينية.

 القيمة المؤسِسة الرابعة برأيي هي قيمة العدالة والنزاهة

لقد شهدت سورية معدلات فساد من أعلى المعدلات في العالم (ترتيبها 178 من أصل 180 دولة، الثالثة كأسوأ معدل فساد حول العالم وفق مؤشر مدركات الفساد لعام 2020)، وكما قيل فإن الفساد والإفلات من العقاب يعزز كل منهما الآخر. لذلك فمن الضروري برأيي أن نعمل على معالجة الفساد والجرائم الاقتصادية التي ارتكبت في سورية ومازالت ترتكب حتى يومنا هذا.

 ويمكن لمعالجة الفساد كجزء من إرساء العدالة في سورية أن تحقق مجموعة من الأهداف يمكن ذكرها كالتالي:

  • ضمان وضع آلية لعدم الإفلات من العقاب لمنتهكي حقوق الإنسان في أرجاء سورية كافة، أياً كانت مناصبهم أو أدوارهم أو صفاتهم.

  • تقديم صورة أكثر موضوعية واكتمالاً عما حصل في الماضي من انتهاكات طالت السوريين والسوريات، بمعنى توسيع السرديات المقدمة حول ما حصل، وكيف حصل، ولماذا، ومن المسؤول عن حصوله، بالتالي الإجابة عن سؤال: كيف نعالج آثاره، وكيف نمنع حدوثه مستقبلاً؟

  • مساءلة ومحاسبة أمراء الحرب والفاعلين الاقتصاديين وواضعي السياسات الاقتصادية ومنفذيها خلال حقبة الاستبداد والنزاع، الذين فرطوا بمصالح الدولة والشعب وهدورا الأموال والثروات والفرص، أو سرقوا مقدرات البلد وثرواتها وآثارها، أو جيروها لمصالحهم، ومصالح مشغليهم، وداعميهم، وأتباعهم.

إن تشميل الفساد في عمليات إرساء العدالة سيساعدنا على تحديد نوع السياسة الاقتصادية والمبادئ الاقتصادية التي نحتاجها من أجل تحقيق الكرامة والمساواة بين جميع السوريين والسوريات، خاصة بعد أن وصلت مستويات الفقر إلى أعلى درجاتها بينهم، سواء المقيمين منهم داخل البلاد أم اللاجئين والمقيمين في البلاد الأخرى.

وبما أن المتنفذين والمستفيدين من الحرب كانوا ومازالوا يسعون فقط للحفاظ على مصالحهم وتكديس الثروة ونهب مقدرات البلاد فإن العدالة في شمولها للفساد ستعزز عمليات تفكيك شبكاته التي تضخمت وتشعبت وتفرعت في سورية كثيراً، والتي تهدد أي عملية سلام يتم العمل عليها مستقبلاً، وتقوض من قدرتها على الاستمرار مما يهدد باندلاع حرب جديدة وبالتالي انتهاكات جديدة وعمليات انتقام أكثر وحشية.

أدرك أن هناك كماً كبيراً من التحديات الموجودة أمام ترسيخ هذه القيم الأساسية في سورية، لكن إذا أردنا تضميد جراحات الماضي وضمان عدم تكرار ما حدث من انتهاكات يجب ألا نمتنع عن العمل والاستفادة من تجارب دول سبقتنا في هذا. ولعل إصلاح النظام القضائي في سورية سيكون أولوية في هذا المجال، إذ لا يمكن احترام الكرامة أو توفير الأمن أو ترسيخ المواطنة وحماية التنوع أو المساءلة عن الفساد من خلال نظام قضائي فاسد ومسيطر عليه ومتحكم به من قبل الفاسدين.

سوريا بحاجة لعقد اجتماعي يعالج التشظيات الموجودة، وبرأيي لا يمكن بناء دولة الحق والعدل والحرية والكرامة التي ننشدها في سورية إلا بالقيام بما يلي:

  • تقوية آليات الديمقراطية وترسيخ مبدأ المواطنة وسيادة القانون.

  • مواجهة الماضي والاعتراف بالأخطاء وبحق الضحايا والناجين بالمحاسبة والتعويض.

  • احترام حقوق الإنسان، وردع من يفكر بانتهاكها عبر التشريعات والإجراءات الكفيلة بمحاسبته وضمان عدم إفلاته من العقاب.

  • محاربة الفساد وآلياته، ومحاسبة مرتكبيه واسترجاع ما تم نهبه من أموال الشعب السوري.

إن ترسيخ هذه القيم يلزمه إرادة سياسية بين جميع الأطراف السورية المعنية، تلغي الحسابات الخاصة لصالح تأسيس دولة الحق والعدل والقانون التي تحفظ لأولادنا وأحفادنا كرامتهم وتحفّز قدرتهم على المساهمة بإغناء البشرية بإنجازاتهم وإبداعاتهم الحضارية.

***

 

[*] أكاديمية وباحثة، عضو اللجنة المصغرة لصياغة الدستور عن وفد المجتمع المدني.

 دكتوراة في الدراسات الإسلامية، باحثة في الفكر الإسلامي، عضو اللجنة الدستورية المصغرة لصياغة الدستور عن وفد المجتمع المدني، أكاديمية وباحثة في قضايا الفكر والمجتمع، مع التركيز على النساء والشباب.

 محررة وكاتبة مقالات في عدد من الصحف منها: السورية نت، صحيفة حبر، نون بوست.

 من مؤلفاتها:

  • أنظمة الحكم وتحدياته في سياق سيناريوهات الحل السياسي بسورية – مركز عين الشرق.
  • المرأة السورية وتحقيق السلام – مركز حرمون للدراسات المعاصرة.
  • المرأة بين مجتمع المدينة الفاضل وتحديات الواقع – مركز حبر للدراسات.
  • خريطة سورية حدود متغيرة وحقائق غائبة – مركز حبر للدراسات.
  • ضدَّ النَّماذج المفروضة، مركز النَّاقد الثَّقافي.
  • بحث طاهر الجزائريِّ، 2007م