سيدة سورية فقدت أشقاءها تناضل من أجل تحقيق العدالة للمعتقلين

 إن الاستخدام المنهجي للتعذيب والاختفاء القسري من قبل النظام السوري موثق جيداً في العديد من التقارير الصادرة عن منظمة العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش" وغيرهما. وعلى الرغم من ذلك، استمر النظام السوري في التمتع بالإفلات من العقاب، ولأن سوريا ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، فإن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها اختصاص على الجرائم المرتكبة في سوريا ما لم يحيل مجلس الأمن الوضع إلى المحكمة. 
في هذا المقال

 

*ميثاق: تقارير وأخبار

 

ترجمات الميثاق: المصدر”New Lines

فقدت خمسة من أشقائي الستة في غضون عامين؛ ومنذ ذلك الحين، حملت معي ألماً كبيراً- ألم الخسارة المرعبة، وعدم اليقين والمجهول، والانتظار. أخشى أن أنقل هذه المشاعر السلبية إلى أطفالي، فأنا أعتقد أن هناك أجيالاً من السوريين سيحملون لاحقاً الصدمة معهم.

قتل أخي زهير عندما فتح قناص النار على المتظاهرين السلميين. قتل أخي عبيدة بالرصاص بينما كان يعمل كمستجيب أول، ينقذ الأرواح، في أعقاب التفجيرات. قتل أخي تشرين في منزله عندما اخترقت رصاصة قناص حفرة في الجدار وقتلته على الفور. عندما كان أخي الأصغر، بشار، يبلغ من العمر 19 عاماً، اختطفه “تنظيم الدولة” (داعش) بينما كان يعمل كمستجيب أول.

وكان الأخ الخامس الذي فقدناه هو عقبة. حاولت أن أنقذه، لم أستطع؛ انتظرناه أثناء القصف. زرنا مراكز الأمن، والسلطات، وكتبنا رسائل وتحدثنا إلى أي شخص ربما رآه أو كان معه في أحد المعتقلات. لكن، دون جدوى، لا يوجد خبر عنه.

ما زلنا لا نعرف حقيقة ما يحدث داخل معتقلات النظام السوري، يومًا بعد يوم، نجد أنفسنا غير قادرين على إنقاذ معتقلينا.

أنا من دير الزور في سوريا. لقد نشأت أنا وإخوتي في كنفِ والدي، علمنا أن نتحلى بالشجاعة والجرأة في إيماننا بحقوق الإنسان وحرية التعبير.

على الرغم من القمع الواسع النطاق، والمنتشر في سوريا، كانت عائلتي دائماً ناشطة سياسياً وتربيت على أن نكون ناشطين. في أعقاب الاحتجاجات ضد النظام في دير الزور خلال عام 1980، اعتقلت قوات الأمن أكثر من 800 شخص. اختفى العديد من أقاربنا قسراً. تم القبض على والدي في عام 1981، عندما كان عمري سنة واحدة فقط، وأطلق سراحه بعد ستة أشهر. كما احتجز عمي لمدة أربع سنوات ونصف بسبب انتمائه إلى الحزب الشيوعي.

  • في عام 2000، عندما وصل (ورث) بشار الأسد إلى السلطة، وعد في خطاباته بتغيير جذري للوضع الذي كنا نعيش فيه ومنحنا المزيد من الحرية. وبتشجيع من هذا التحول الواضح في الخطاب، بدأ إخوتي في التعبير عن آرائهم السياسية في المناسبات العامة. سرعان ما اكتشفوا أن القليل جداً قد تغير.

ألقي القبض على أخي تشرين لأول مرة في العام نفسه. استمر أسره سنة وثلاثة أشهر. وقد اعتقل لانتقاده خطبة الجمعة التي ألقاها الإمام لتأليهه الرئيس. عندما غادر مركز الاحتجاز، تم فصله من وظيفته. ولم يتوقف رجال أمن الدولة عند هذا الحد: فقد تبعوه في كل وظيفة لاحقة بدأها وطلبوا من صاحب العمل فصله أو تجاهل طلبه. هذا النمط من المضايقات والترهيب هو سياسة متعمدة ينتهجها النظام لإسكات المعارضة. استمر اعتقاله التالي 3 سنوات ونصف، خلال ذلك، عشنا في انتظار إطلاق سراحه.

المعتقلين
“يجب على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة دعم مقترح إنشاء مؤسسة معنية بالمخفيين أثناء النزاع /الصورة وكالة فرانس برس”

عندما خرج السوريون إلى الشوارع في بداية الثورة في عام 2011، صعّد نظام الأسد من اعتقالاته، واعتقل المتظاهرين وأولئك الذين تحدثوا على صفحاتهم على “فيسبوك” ضد سنوات من الدكتاتورية أو الأشخاص المنظمين للالتقاء من أجل سوريا مختلفة.

شارك جميع أفراد عائلتي في الثورة، وكانت قلوبنا تتوق إلى التغيير، وقد حملنا القيم التي نقلها آباؤنا إلينا. في البداية، جرت المظاهرات بأعداد صغيرة وتم قمعها من قبل قوات الأمن. في اليوم التالي لمظاهرة حاشدة مناهضة للحكومة في دير الزور في 23 أبريل/نيسان 2011، داهمت قوات الأمن منزل أخي قتيبة واقتادته إلى الفرع المحلي لمديرية الأمن السياسي. مكث هناك لمدة 10 أيام، تعرض خلالها للتعذيب.

في اليوم التالي لإطلاق سراح قتيبة، اعتقل تشرين لمدة ثلاثة أيام. ثلاثة أيام لا تبدو وقتاً طويلاً جداً، لكنه تعرض للتعذيب الشديد والقسوة المفرطة. خرج منتفخاً من رأسه إلى قدميه. كان من المروع رؤية آثار القسوة والتعذيب على ظهره وجسده الجريح. بدأت أدرك، أكثر من أي وقت مضى، أننا كنا على حق. كنا بحاجة ماسة إلى ثورة.

  • تم إطلاق سراحه بعد أن نظمنا اعتصاماً لمدة يومين للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين.

بعد يوم واحد، اعتقل أخي زهير البالغ من العمر 17 عاماً. كان طالباً في الصف الثالث الثانوي في ذلك الوقت. كان غاضباً بعد أن رأى الكدمات وعلامات التعذيب على جسد شقيقه وخطط للقيام بمظاهرة صغيرة مع أصدقائه. وعندما مر بدورية أمنية، صاح: “حرية”. لهذا، تم احتجازه لمدة 10 أيام وتعرض لقسوة النظام ووحشيته الإجرامية.

وفي اليوم نفسه، اعتقل النظام عبيدة أيضاً لمدة شهر بسبب المظاهرات التي كان يشارك فيها مع جميع إخوته. عندما أطلق سراحه، واصل نشاطه السلمي وعمل كمسعف أثناء حصار المدينة.

لم يثبط اعتقال زهير الأولي عزيتمه، ورغبته في الحرية، بل زاده ذلك قوة وإصراراً. في 10 كانون الثاني/ يناير 2012، غادر قاعة الامتحان وانضم إلى زملائه الطلاب والمعلمين لدعوة وفد جامعة الدول العربية الزائر لدعم مطالب الحرية.

*مواد ذات صلة:

وبدلاً من وفد الجامعة العربية، خرجت قوات النظام من السيارات التي كان من المفترض أنها تنقل الزوار. كانوا يطلقون النار بشكل مباشر على المدنيين، بداعي القتل. في اللحظة التي اخترقت فيها الرصاصة جسد أخي، كنت أعمل في المستشفى، ولاحقاً بطريقة ما، عرفت، وفي نفس اللحظة شعرت بشيء ينكسر في قلبي، وبدأت في ذكر اسمه مراراً وتكراراً. كنت أنا وزهير قريبين كثيراً لبعض – كنت أكبر منه ب 15 عاماً، وكنت أعتني به عندما كان صغيراً، وظلت علاقتنا قوية عندما كبرنا. في ذلك اليوم، قتلت قوات الأمن 19 شاباً، معظمهم من طلاب الجامعات والمعاهد.

وكجزء من جهودها للتغطية على جرائمها، طلبت منا قوات المخابرات التوقيع على بيان كاذب يعلن أن الإرهابيين المسلحين قتلوا زهير. بعد أن رفضنا، اعتقلت إدارة المخابرات الجوية أخي عقبة البالغ من العمر 36 عاماً وأخفته قسراً بينما كان في طريقه إلى العمل في نهاية مارس/آذار 2012.

  • دفعت لمحام، وتوسلت إلى الكثير من الناس للحصول على أخبار عن عقبة أو مكان احتجازه، لكنني لم أتلقَ أي معلومات موثوقة. ولاحقاً، قابلت أشخاصاً كانوا محتجزين معه، لقد رأوه عندما كانوا جميعاً ينقلون بين الفروع وقالوا إنه سينقل إلى دمشق، لكن بعد ذلك لم يكن هناك أي أثر يدل عليه.

حاولت إقناع عائلتي بأن علينا إخراج الأطفال من سوريا، لكن والدي رفضا لأنهما كانا يأملان أن يعود عقبة يوماً ما. لم نتمكن من مغادرة منزلنا لأننا لم نكن نعرف كيف سيجدنا بمجرد إطلاق سراحه. انتظرنا في خطر وحاولنا بكل طريقة ممكنة الحصول على معلومات توصلنا إلى مكان اعتقاله.

بقيت معهم للمساعدة، وفي غضون ذلك، تلقينا أخباراً من هنا وهناك. قالت لنا امرأة لها صلات بقوات الأمن إن عقبة كان في دمشق ونقل إلى المحكمة الميدانية، وقالت امرأة أخرى، وهي والدة أحد المحتجزين، إنه كان في مطار المزة مع ابنها. لكن بدون أي معلومات مؤكدة، بقينا مرتبكين وحائرين.

آخر ما سمعناه عن عقبة هو نقله إلى سجن المزة، في المطار العسكري هناك. شاهدتُ ابنتيه تكبران دون معرفة والدهما، دون أن أعرف ما إذا كان سيعود أم لا.

في مايو/أيار 2012، اعتقل أبي، ولم يقدم المسؤولون أي معلومات حول سبب اعتقاله؛ لقد كان مدرساً في مدرسة حكومية، لذلك لم نعتقد أبداً أنه سيكون هدفاً. ربما كان ذلك ببساطة لأنه كان يسأل عن عقبة. داهمت قوة من أربع عربات مدرعة منزلنا فيقرية موحسن. أربع عربات مدرعة لاعتقال رجل يبلغ من العمر 70 عاماً. بعد ذلك، لم نتمكن من متابعة وضعه لأن الجيش اقتحم مدينة دير الزور للمرة الثانية.

في نهاية المطاف، أصبحت والدتي قلقة على أحفادها وخشيت أن يكون خطأها إذا حدث لهم أي شيء، لذلك غادرنا جميعاً منزلنا في حزيران/ يونيو 2012. لم يبق سوى أخي تشرين وعائلته.

ظل النظام مسيطراً على معظم أجزاء مدينة دير الزور؛ بعد أن ارتكبت قواتها مذبحة في سبتمبر/أيلول 2012 في حيي الجورة والقصور، قتل فيها ما يقرب من 1000 شخص، تحصن السكان في أجزاء أخرى من المدينة لمنع المزيد من الفظائع ضدهم. ثم أصبحت هذه الأحياء أهدافاً، حيث استخدمت قوات الأسد القنص والقصف المدفعي لدفع الأهالي إلى الاستسلام.

” مجزرة حيي الجورة والقصور في دير الزور/الفيديو عبر قناة الجسر الفضائية”

بعد أكثر من شهرين، اتصل والدي ليخبرنا أنه قد أطلق سراحه، ولم يعط أي تفسير عن سبب اعتقاله، لقد خرج من السجن منهكاً، وتم نقله بين مراكز الاحتجاز عدة مرات، من دير الزور إلى حلب، ثم دمشق، ثم عاد إلى حلب.

كنت مقربةً من عبيدة وكان يخبرني بأسراره، دائماً، مرةً، أخبرني عن فتاة وقع في حبها، لكنه طلب منها أن تنساه وتخرج من المدينة مع عائلتها. على الرغم من أنها رفضت في البداية، إلا أن إصرار أخي أصابها بالإحباط وجعلها تقرر المغادرة.

كانت والدتي قد اشترت له بعض المجوهرات الذهبية ليقدمها لعروسه المستقبلية، ومع ذلك، في 13 أكتوبر 2012، بينما كنت في دمشق أبحث عن أي علامة لأخي الآخر، عقبة، تلقيت نبأ مقتل عبيدة أثناء مساعدة أحد المتظاهرين المصابين. لم أتمكن من رؤيته، ولم نتمكن من تشييعه مثل شقيقه زهير. استغرق الأمر منا شهوراً حتى نعرف مكان دفنه. لم أستطع البكاء ولا النوم.

  • بعد عشرة أيام، قتل تشرين برصاص قناص بينما كان في منزله.

المعتقلين

في عام 2014، عندما كان أخي الأصغر، بشار، يبلغ من العمر 19 عاماً، أرادت والدتي أن ترتب له مسألة الزواج، فهي كانت لا تزال حزينة لأنها لم تتمكن من ترتيب زواج عبيدة وزهير. اختفى في منتصف مايو/أيار، ولم نكن نعرف ما إذا كان قد قتل أو تم أسره. سمعنا لاحقا أنه ذبح على يد تنظيم الدولة، الذي استولى على المدينة، وألقيت جثته في النهر، لكن كانت هناك روايات أخرى متضاربة، وما زلنا لم نكتشف حقيقة ما حدث له.

  • هكذا يغمرنا الألم، بالكاد تعافينا من صدمة واحدة عندما أصابتنا الصدمة التالية.

في ذلك الوقت، شعرت بالضياع وعدم الجدوى لفعل شيء، فأنا، لم يعد لدي مشاعر تجاه أي شخص من حولي. كان هناك شيء بداخلي يريد أن ينفجر، ومع ذلك، تحولت كل هذه المشاعر فيما بعد إلى قوة، وكان علي أن أفعل شيئاً لإخوتي ومن أجل مستقبل أطفالي، كان علي أن أقاوم.

غصت وسائل التواصل الاجتماعي بقصص التعذيب، وكانت الشهادات التي خرجت من مراكز الاحتجاز مفجعة.

في أواخر عام 2014، تم نشر الصور التي التقطها مصور عسكري سابق فرّ من سوريا، والذي كان يحمل الاسم الرمزي “قيصر“. بدأت العائلات في التعرف على أبنائها في الصور، التي وثقت مدى التعذيب وسوء المعاملة التي تعرض لها الرجال والنساء والأطفال على يد أجهزة النظام السوري الأمنية، وقوات الجيش، لقد ظهرت في الصور أجساداً هزيلة وكدمات وأدلة أخرى على الاعتداء الجسدي الشديد، وعبر ملف تلك الصورة المسربة، تم التعرف على العديد من الضحايا من قبل أسرهم وأصدقائهم.

وأثار نشر هذه الصور إدانة واسعة النطاق من المجتمع الدولي، فضلاً عن دعوات لمحاسبة المسؤولين عنها، حيث نفى النظام السوري صحة الصور، ومع ذلك، فإنها تقدم أدلة دامغة على تواطئه في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

كان لا يزال لدينا أمل في أن يعود عقبة إلينا يوماً ما، ولكن بعد أن ازداد الخطر علينا بسبب تنظيم الدولة (داعش)، قررنا المغادرة إلى تركيا في شباط/ فبراير 2015.

في منتصف شهر مارس/ آذار ، حوالي منتصف الليل، تلقيت رسالة وصورة من أحد النشطاء من مدينتي يسألني عما إذا كان بإمكاني التعرف على الشخص الموجود في الصورة. لم أكن بحاجة إلى الكثير من الوقت لأكتشف أنه أخي عقبة. وقد مات تحت التعذيب أثناء الاحتجاز، مع وجود رقم على جبينه، لكنه لم يكن رقماً، كان عقبة.

المعتقلين
“عائلات من أجل الحرية حركة نسائية تناصر من أجل المختفين والمعتقلين في سوريا، في حافلة حمراء في لندن مغطاة بصور لأحبائهم. المصدر: الحملة السورية / أرتينو فان داماس”

اعتدت أن أكون الأخت الوحيدة مع ستة أشقاء، لقد دللوني، ما أجمل الحب المقدس الذي يربط الأشقاء! الآن كنا وحدنا، قتيبة وأنا نحزن كل يوم، فقط الذكريات الطيبة عنهم قدمت لنا العزاء، ولم يمر يوم دون أن تمر أرواحهم بي.

كيف لي أن أخبر أمي وأبي؟ في تلك الليلة، لم أستطع النوم، كنا نعيش في مخيم ديريك في مقاطعة ماردين في تركيا، واضطررت للذهاب إلى خيمتهم وإخبارهم بالفجيعة، أتذكره كما لو كان حدث بالأمس؛ خرجت الساعة 7 صباحًا بحثًا عن قتيبة،  اتصلت به لإصلاح شيء لي، وجاء إلى خيمتي، فأخبرته بالأمر، وجلس في حالة صدمة، حتى تدخلت والدتي، التي شعرت دائمًا بكل شيء عنا، وسألت، “أخبروني من مات؟ لا تخافوا، سأكون صبورة.”

أخبرتها أنه عقبة، فقالت: “الحمد لله، لقد استراح!” وذهبت بعيداً لتخبر والدي؛ على الرغم من أن الصور مرعبة، فإن معرفة أنه مات، فذلك جلب نوعاً من السلام أو الهدوء إلى قلوبنا… انتهى عذابه.

المعتقلين

في كل مرة تصل فيها إلى والدتي أخبار أحد أبنائها، كنا نجدها مريضة، تتألم دون أن تبكي، تتذكر دائماً خصائص كل واحد منهم، تضحك ثم تبكي عندما تتذكر نكتة قاموا بها. لم تكن أمنا فقط، كانت صديقة وأخت لنا جميعاً، فهي اعتادت مناقشة كل شيء معنا وكان لديها نظرة ثاقبة وفهم حول كيفية حل مشاكلنا عندما نلجأ إليها للحصول على المساعدة.

بعد وصولي إلى أوروبا، أصبحت أكثر نشاطاً، والتقيت بأمهات كرسن حياتهن للتعرف على مصير أبنائهن؛ كنّ بنساء رائعات عانين من نفس الألم وعدم اليقين، ونحن الآن أصدقاء وزملاء أعزاء ومصدر إلهام لكثير من الناس. لقد سلكوا جميعاً طريقي بحثاً عن الحقيقة، بحثاً عن العدالة، حتى لا تتكرر مأساتهم في عائلات أخرى. معاً، نحن حركة قوية، أطلقنا عليها اسم “أنقذوا معتقلي سوريا“، وهناك تضامن في العمل معاً.

وإلى جانب الضحايا الآخرين والمجموعات العائلية، حثثنا الأمم المتحدة على إنشاء مؤسسة دولية للكشف عن مصير ومكان وجود المختفين في سوريا وتقديم الإجابات التي تشتد الحاجة إليها لعائلات مثل عائلتي. وأخيرا، يتم الاستماع إلى جهودنا: لقد نوقشت القضية في الجمعية العامة للأمم المتحدة ونأمل أن يصبح هذا الطلب حقيقة واقعة قريباً.

من حقي أن أعرف كيف مات أخي، وكذلك من حقي أن أدفنه بطريقة تليق بكرامته، ولبناته الحق في معرفة أن والدهن لم يرتكب أي خطيئة سوى المطالبة بشيء من الحرية. ومن حقهن أن يرفعن رؤوسهن قائلات: “هذا أبونا، وهذا قبره، لقد اختار الحرية”.

وقد سعى العديد من الأفراد والناشطين ومنظمات حقوق الإنسان إلى محاسبة النظام السوري على هذه الانتهاكات، بما في ذلك من خلال الإجراءات القانونية. إحدى هذه الحالات هي حالة عبادة المزيك، وهو سوري أمريكي رفع دعوى مدنية ضد نظام الأسد، زاعما أنه اعتقل وعذب في نفس مركز الاحتجاز الذي قتل فيه أخي.

إن الاستخدام المنهجي للتعذيب والاختفاء القسري من قبل النظام السوري موثق جيداً في العديد من التقارير الصادرة عن منظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” وغيرهما. وعلى الرغم من ذلك، استمر النظام السوري في التمتع بالإفلات من العقاب، ولأن سوريا ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، فإن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها اختصاص على الجرائم المرتكبة في سوريا ما لم يحيل مجلس الأمن الوضع إلى المحكمة. ومع ذلك، استخدمت روسيا، كحليف للنظام السوري، حق النقض (الفيتو) مراراً وتكراراً ضد القرارات التي تهدف إلى إحالة النزاع السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.

المعتقلين
“عبادة المزيك بعد عودته إلى سوريا لمواصلة دراسته، عاش الشاب السوري الذي يحمل الجنسية الأميركية محنة مرعبة عقب اعتقاله في مطار دمشق، إذ احتجز بعد ذلك لثلاثة أسابيع قبل أن يخلى سبيله” /الصورة وكالات.

وعلى الرغم من هذه التحديات، استمرت الجهود الرامية إلى محاسبة النظام السوري من خلال وسائل قانونية أخرى، حيث شرع عدد من الدول في اتخاذ إجراءات ضد المسؤولين السوريين بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية. في العام الماضي، أدين أول مسؤول كبير في النظام السوري، أنور رسلان، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في محكمة في “كوبلنز” بألمانيا، مما يمثل علامة فارقة في الجهود المبذولة لمحاسبة النظام السوري على الانتهاكات.

لقد حان الوقت للمساءلة، فقضية عبادة مزيك هي الآن قضيتي، تم اعتقاله وتعذيبه في نفس الوقت والمكان الذي تعرض فيه أخي عقبة للتعذيب والقتل، وعليه، هذا التشابه جعلني أسعى بكل طريقة ممكنة لاستخدام هذه القضية للضغط من أجل إطلاق سراح جميع المعتقلين في سوريا، والكشف عن مصير المختفين واسترجاع رفات الذين ماتوا لدفنهم بطريقة لائقة.

قضية عقبة، وغيرها من القضايا الأوروبية، لن تحقق العدالة الشاملة التي تحتاجها سوريا، أيضاً، لن يجلبوا السلام الذي تصرخ بلادنا من أجله، لكن صدور حكم من محكمة أمريكية ضد “الدولة السورية” سيكون خطوة مهمة للغاية مع ذلك، لأنه سيؤكد الدور الرئيسي الذي تلعبه المخابرات الجوية السورية في التعذيب الذي ترعاه الدولة، ونأمل أن يفتح الباب أمام المزيد من القضايا. كعائلات، تركنا مع طرق غير كاملة لتحقيق العدالة، ولكن لا يزال يتعين علينا أن نسلكها.

أقضي الكثير من الوقت في تذكر اللحظات المليئة بالفرح مع إخوتي، ويتم تداخل الأفكار في الذاكرة مع الأسئلة، ومع ذلك، فإن العدالة هي إحدى الطرق للإجابة على الأسئلة والمساعدة في معالجة آلامنا.


 

المفقودين